الحارث المحاسبي
317
الرعاية لحقوق الله
ولا تعرى النفس من خطرات العدو ، ومن هواها أن تنازع ، فما الذي يفرق بين صدق الضمير بذلك وبين الخدعة فيه من النفس ؟ قال : أن تعرض عليها أن لو أصبت الأجر من غير علمهم أكنت تقنعين بعلم اللّه عز وجلّ وحده وتصيبين هذا الأجر ؟ فإن رأيت القلب يقنع بذلك فهو صادق ، فإن رأيته لا يقنع بذلك فإنما هي خدعة ومحبّة من النفس أن تظهر عملها ، لتظفر بحمدهم ، وتخيل للمخدوع بذلك أنها تريد اللّه عز وجلّ صادقة لتستكثر من الأجر . قلت : فالصوم والصلاة والحجّ والغزو ؟ قال : أما ذلك فلا أحبه ولم أجد عامة الناس يفعلونه ، إلا الرجل القوي ، الصادق الإرادة ، القوي على ردّ الخطرات في العمل بعد ما يفرغ من العمل ، وقد يتبعه العدو فيخطر له في حال غفلته فيصرعه ، فلا بأس بإظهاره للقدوة ، والذي أمر به الناس : أن يخفوا ذلك ما استطاعوا ؛ لأن النفس خدوع ، والشيطان مرصد بمكيدته . وقد كان الرجل يرفع صوته ليحرّك بعض جيرانه في جوف الليل ، وذلك إذا قوى عزمه ، وهان عليه حمد من يسمعه ، وليس له رغبة في عملهم به أكثر من أن يصيب ثواب اللّه عز وجلّ في تحريكه إياهم على طاعة ربهم . فأما الغزو فذلك عمل ظاهر ، فالمسارعة فيه للقدوة به أفضل إذا قوى العزم أن يشدّ الرجل قبل القوم ، ليحض على القتال ويبعث من معه على الشدّ معهم فذلك أفضل ؛ لأنه لم يخرج من سرّ إلى علانية ، وإنما خرج من علانية إلى علانية ، لأن مقامه ذلك علانية ، فكلما حض غيره لفعله كان أفضل ، ولو